الغزالي

219

إحياء علوم الدين

ذلك لتبين كذبه ، إذ كانت الصحة موقوفة على التمام إلى غروب الشمس من آخر النهار ، وكما أن النهار ميقات تمام الصوم فالعمر ميقات تمام صحة الإيمان ، ووصفه بالصحة قبل آخره بناء على الاستصحاب ، وهو مشكوك فيه ، والعاقبة مخوفة ، ولاجلها كان بكاء أكثر الخائفين لأجل أنها ثمرة القضية السابقة والمشيئة الأزلية التي لا تظهر إلا بظهور المقضي به ، ولا مطلع عليه لأحد من البشر ، فخوف الخاتمة كخوف السابقة . وربما يظهر في الحال ما سبقت الكلمة بنقيضه ، فمن الذي يدرى أنه من الذين سبقت لهم من الله الحسني ؟ وقيل في معنى قوله تعالى : * ( وجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ) * « 1 » أي بالسابقة ، يعنى أظهرتها . وقال بعض السلف : إنما يوزن من الأعمال خواتيمها . وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يحلف با لله ما من أحد يأمن أن يسلب إيمانه إلا سلبه وقيل : من الذنوب ذنوب عقوبتها سوء الخاتمة نعوذ با لله من ذلك . وقيل : هي عقوبات دعوى الولاية والكرامة بالافتراء وقال بعض العارفين : لو عرضت علىّ الشهادة عند باب الدار والموت على التوحيد عند باب الحجرة ، لاخترت الموت على التوحيد عند باب الحجرة ، لأني لا أدرى ما يعرض لقلبي من التغيير عن التوحيد إلى باب الدار وقال بعضهم : لو عرفت واحدا بالتوحيد خمسين سنة ثم حال بيني وبينه سارية ومات ، لم أحكم أنه مات على التوحيد وفي الحديث [ 1 ] « من قال أنا مؤمن فهو كافر ، ومن قال أنا عالم فهو جاهل » . وقيل في قوله تعالى : * ( وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وعَدْلًا ) * « 2 » صدقا لمن مات على الإيمان ، وعدلا لمن مات على الشرك . وقد قال تعالى : * ( ولِلَّه عاقِبَةُ الأُمُورِ ) * « 3 »

--> « 1 » ق : 19 « 2 » الأنعام : 15 « 3 » الحج : 41